التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت بعيون حقوق الإنسان


إن الحق الأساسي الذي تتطلبه المرحلة التي تمر بها بلادنا هي المعلومة الصحيحة والدقيقة، وهو ما سينعكس على جميع مناحي حياة المواطن وفي مختلف قطاعات الدولة، وإن ما ستوفره مخرجات التعداد من معرفة رقمية بالأفراد رجالاً ونساءً ,ذكوراً وإناثاً, كهولاً وأطفالا ، بل الوقوف على قضايا ساخنة كاللاجئين والنازحين والهجرة غير الشرعية وقضايا الاتجار بالبشر، يشخص بدقة حقوق كل فئة ومدى الاستجابة لها وتلبيتها، حقوق حفظها الدين وسلمت بها المبادئ العالمية لحقوق الإنسان، والدولة مسئولة وملتزمة بحمايتها وتحقيقها. إن تنفيذ المشروع بنجاح وفق المعايير العالمية للتعداد الذي يدرس حالات تطور البلاد السكانية والعمرانية ومدى تطابق وتوافق الأعداد السكانية للمقيمين على أرض اليمن سواء كانوا مواطنين أو وافدين مع الخدمات التربوية والصحية وغيرها مما يؤمن احتياجات السكان، سيوفر قاعدة عريضة من البيانات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي تخدم الأغراض الأساسية لإعداد برامج التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتفيد في رسم السياسات السكانية، وحيث أن البيانات التي يوفرها والمؤشرات التي يمكن استخلاصها تمثل رافدا قويا يدعم متخذي القرار والمخططين في مجالات متعددة منها النهوض بمستويات المعيشة، والتطبيق الفعال لبرامج الرعاية الصحية والاجتماعية وتنمية الموارد البشرية لتحقيق التوازن الكمي والنوعي بين القوى العاملة الوطنية والوافدة وأخيرا صياغة سياسة الإسكان بما يساهم في النهوض بالمستويات والظروف السكنية.
كما أن التعداد سيوفر فرصة حقيقة لكشف العديد من بؤر وحاضنات الأزمات التي قد تظهر على السطح في أوقات غير مناسبة, ومن خلال مسح المساكن والمنشآت، تظهر أحياء سكنية ذات خدمات متدهورة ومنعدمة ، تصبح مراتع تتكاثر فيها وتتفاقم الظواهر الإنسانية السلبية التي يمكن معالجتها في وقت ما ويستحيل ذلك في أوقات أخرى, وقد عرفت بلادنا أمراضا كان يمكن السيطرة عليها بسهولة واليوم باتت من المعضلات التي قد تهدد كيانه، وما ذلك إلا نتاج للقراءة غير الواعية و التعامل المسيس لتلك المخرجات، وربما بعض المساكن أضحت بحاجة للتجديد أو وجودها صار خطراً، بل سيعكس التعداد رؤية لراسمي السياسات لدراسة ظاهرة الهجرة التي تعرضت لها القرى، ودراسة تنمية المناطق الريفية بالاعتماد على تنمية الفرد وخدمات الأفراد الأساسية لاسيما المرأة الريفية، إلى حق الأرياف في توزيع الاستثمارات عليهم خاصة وان مجتمعنا في غالبه مجتمع ريفي أو ينحدر من الريف.
لذلك فإن الحاجة ماسة وملحة لمعلومات طابعها الحقوق وليست العاطفة أو المصالح الضيقة، والجميع معني بتنفيذ التعداد والإطار القانوني للتعداد يحدد العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين، فيجب تكاتف الجهود من الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني ودوائر التوعية لمناصرة هذه القضية الوطنية وتوعية الجميع بأهمية التعاون الصحيح والدقيق مع العدادين، لأننا جميعاً في الأخير سنعتمد على قاعدة بيانات واحدة وفي يد الجميع.
بل إن التعداد يأتي في مرحلة خاصة تتعزز فيها مبادئ الانتقال الديمقراطي والحكم الرشيد وحقوق الإنسان، من خلال توزيع دقيق للدوائر الانتخابية على أسس حقوقية غير مسيسة تفضي إلى انتخابات نزيهة وشفافة.
وإن وجود وزارة حقوق الإنسان في اللجنة الإشراقية العليا للتعداد الوطني للسكان والمساكن والمنشآت 2014، ومن خلال وحدة المعلومات التي أطلقتها الوزارة بتاريخ 24/ 7/ 2013م ، يعطي دعماً خاصاً لمشرع القرار، بما يمثله التعداد العام وما يمكن استشرافه في مجال حقوق الإنسان، واعتباره مدخلاً لضمان مستوى مقبول لإعمال حقوق الإنسان وفق قياسات تتعلق بمدى مكانة حقوق الإنسان واحترام كافة الحقوق، فضلاً عما يجمعه ويوفره التعداد من قاعدة بيانات للقضايا ذات العلاقة بحقوق الإنسان.
وجهود وزارة التخطيط والتعاون الدولي وكذلك الجهاز المركزي للإحصاء للتهيئة لتنفيذ التعداد مع دعم الشركاء المانحين، كلها جهود مشكورة ، ولا شك أننا نعضد كل الجهود لإخراج قاعدة بيانات دقيقة تكون داعمة ومدافعة لحقوق الإنسان بل تصد وتمنع أي انتهاك لحقوقه، والتعداد في أساسه مطلب حيوي واستراتيجي لقوة وأداء الدولة في الجانب التخطيطي، وقوة لأصحاب رؤوس الأموال، الذين ستتاح لهم معرفة دقيقة بالمستهدفين وبالتالي وضع السياسة المناسبة واختيار النموذج الأنسب للعمل مع المجتمع من خلال المسئولية الاجتماعية و يتيح معرفة للعديد من المهتمين والمتابعين على المستوى العالمي أو في الحدود الوطنية.
كما أننا بدورنا مهتمون بمتابعة المؤشرات التي سيخرج بها التعداد ويخدم حقوق الإنسان، بقياس توفر الممارسات العملية المتعلقة باحترام كافة الحقوق التي ستتوفر في الدستور الجديد لبلادنا الذي سيستند دون شك على المبادئ العالمية لحقوق الإنسان والحقوق المعتمدة في المواثيق الدولية المصادقة عليها بلادنا، ونقيس من خلال التعداد مدى الحاجة في مجال حقوق الإنسان، وما ينعكس في مهام الوزارة وعلاقاتها بشركائها من اللجنة الفنية والهيئة الاستشارية ومجموعة تعزيز حقوق الإنسان، وما تقدمه بلادنا من تقارير دولية لمجلس حقوق الإنسان، تشكل للوزارة على المدى نواة لمركز دعم اتخاذ القرار، ولتقويم الأداء ومعرفة نقاط القوة والضعف، بل تشكل دعماً لسياسات الاستجابة الإنسانية في بلادنا بتعاون الجهات ذات العلاقة.
الأمر الذي يتطلب من الجهاز المركزي للإحصاء أن يحقق الأهداف المرسومة للقوانين والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان من خلال التعداد ومن خلال تحليل نتائج التعداد وتوظيف أو معالجة نتائج التعداد مع مسؤولية الحكومة كاملة، لاسيما ومعلومات التعداد ستدخل في دورة متجددة ومتحركة، وما أن تصل إلى مرحلة المخرجات حتى تدخل من جديد تحت البحث والتحليل والتجريب وتضاف لها النتائج والتوصيات، وتصبح مدخلات وهكذا دواليك..
من هنا فنحن نقف أيضاً أمام لحظة استثنائية تخرج من مرحلة جمع معلومات معزولة، إلى الارتقاء لمستويات فهم واجبة آن أن تخدم حقوق الإنسان، ونحو استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان.

* مدير عام مكتب وزيرة حقوق الإنسان
عضو اللجنة الإشافية العليا للتعداد العام 2014م

تصميم و إعـداد -يحيى جباري