الرئيسية المجلس والأمانة العامـة اليـمن في أرقـام مـؤشرات ديموغرافيـة الصفحة السـكانية مكتبة المجـلس مكتبة الصور مكتبة الفيديو للتواصل معنا

العلاقة بين السكان والتنمية والفقر على صعيد الاقتصاد الكلي

من القضايا الهامة التي أخذت لفترات طويلة ، كثير من الجدل والبحث واهتمام المعنين بمستوى الاقتصاد ، هي مسألة النمو السكاني وعلاقته بالنمو الاقتصادي وبمستوى الفقر.

فمنهم من يرى أن نمو السكان هو عامل محفز يؤثر إيجابا على معدلات نمو الدخل القومي فمع زيادة السكان يزداد الكم المعرفي نتيجة للتقدم التكنولوجي الذي تولده زيادة الطلب على إنتاج السلع والخدمات ، وأخرون يرون أن النمو السكاني عامل يؤثر سلبا على النمو الاقتصادي ، فارتفاع نمو السكان يعيق نمو الدخل القومي ، فمع تزايد أعداد السكان يزداد استنزاف الموارد المادية والطبيعية والاقتصادية.

وفي ظل اختلاف وجهات النظر حول طبيعة العلاقة بين نمو السكان والنمو الاقتصادي ، ظهرت فكرة ثالثه إعتبرت أن النمو السكاني عامل محايد في النمو الاقتصادي ويتحدد خارج نماذج النمو القياسية.. وهذا الاختلاف في وجهات النظر والأراء كانت لها تبعات كبيره ومؤثره كان أخرها وأخطرها بعدا على العمل السكاني هو وجهة النظر التي تنص على أن نمو السكان عامل محايد في النمو الاقتصادي.

وكان توظيف هذه النتائج خلال العقود الأخيرة لتبرير حيادية النمو السكاني قد أدى إلى التقليل من الأثر المتبادل بين النمو السكاني والنمو الاقتصادي وساهم في عدم إعطاء القضايا السكانية الأولوية التي تستحقها في سياق إنشاء السياسات المتكاملة في العديد من الدول.

والملاحظ إن الصراعات بين المدارس الفكرية المختلفة وعدم تمكنها من إثبات فرضياتها بشكل مطلق يعود إلى أن تركيزها كان بالمجمل على حجم ونمو السكان ولم تعطي الاهتمام الكافي لمسألة التركيب العمري للسكان وإتجاهات تغيرها وأثر ذلك على النمو الاقتصادي فهناك لكل فئة عمريه سلوك ومتطلبات مختلفة ويترتب عليها نتائج اقتصادية مختلفة أيضا.

فحاجات السكان الأطفال واليافعين تتطلب تكثيف المزيد من الاستثمارات في الصحة والتعليم ، أما الشباب في المراحل الأولى من سن العمل فهم مكون أساسي لعرض العمل وزيادة الادخار ، ومع التقدم في السن ترتفع الحاجة إلى تكثيف الرعاية الصحية مع ضمان دخل تقاعدي للمسنين.. حيث أشارت بعض الدراسات القياسية التي اجريت في بعض البلدان إلى أن التغيرات السكانية ممثلة بارتفاع نمو السكان في سن العمل ساهمت بمقدار 50بالمائة من النمو الاقتصادي لهذه البلدان بين 1970 و 1990.

وخلاصة الاستنتاجات في هذا المجال أن النمو الاقتصادي يتسم بالبطئ عندما يكون نمو السكان في سن العمل منخفضا عن نظيره نمو إجمالي السكان ، ويتحسن النمو الاقتصادي عندما يتعدى نمو السكان في سن العمل نظيره نمو إجمالي السكان. ويحدث ذلك نتيجة انحسار الفجوة إلى فارق إيجابي ضئيل جدا بين متوسط دخل الفرد من إجمالي الناتج المحلي ومتوسط حصة العامل من الناتج.

وقد وضحت هذة العلاقة في المؤتمر الدولي للسكان في وثائقه التي أكدت على أن العلاقة بين السكان والنمو الاقتصادي المضطرد والفقر هي علاقة متبادلة ومتعاضدة. فتؤكد في الفصل الثالث حول أوجه الترابط بين السكان والنمو الاقتصادي المطرد والتنمية المستدامة على "أن الأنشطة اليومية لجميع البشر والمجتمعات المحلية والبلدان ترتبط بالتغير السكاني وأنماط ومستويات استخدام الموارد الطبيعية وحالة البيئة وسرعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية ونوعيتها". وهناك اتفاق عام على أن استمرار انتشار الفقر على نطاق واسع فضلا عن اوجه الجور الخطيرة ، الاجتماعية والقائمة على نوع الجنس ، لها أثر كبير على البارامترات الديموغرافية مثل نمو السكان وهيكلهم وتوزيعهم ، كما أنها تتأثر بذلك. وهناك اتفاق عام أيضا على أن أنماط الاستهلاك والإنتاج غير المستدامة لا تفتأ تسهم في الاستعمال غير المستدام للموارد الطبيعية وتدهور البيئة فضلا عن زيادة الجور الاجتماعي والفقر مما يقترن بالنتائج السالفة الذكر للبارامترات الديموغرافية. (فقرة 3.1 ، صفحة 17).

إن الأثر المتبادل لانخفاض الخصوبة والوفيات المقرون بزيادة تراكم رأس المال في عملية النمو الاقتصادي له إمكانية تفسير النتائج الايجابية في بلدان عديدة ، حيث إن أثر التغذية الاسترجاعية الذي يظهر بين كل عامل من العوامل له إمكانية مضاعفة تأثير العوامل الخارجية المؤثرة في عليه وهذا التغير الديموغرافي يؤثر على مخرجات عملية الإنتاج مباشرة من خلال عرض قوة العمل ويؤثر بشكل غير مباشر من خلال الادخار والاستثمار وبالتالي على تراكم رأس المال.

من ناحية أخرى فإن مستوى الدخل وتخزين رأس المال يؤثر على الخصوبة والوفيات. فعندما يتسع الهرم العمري للسكان يرتفع الإنفاق الحكومي والعائلي على الاستهلاك مؤديا إلى انخفاض الادخار وعندما يتحسن مستوى الدخل وتخزين رأس المال فإن تأثيره ينعكس على الخصوبة والوفيات ، ويعود ذلك إلى تحسن مستوى رفاه العائلة الصحي والتعليمي وبالتالي إلى تغير في سلوكها الإنجابي. ويؤثر الدخل على رأس المال ، إذ يرتفع وينخفض تبعا للقيمة المضافة التي يولدها رأس المال. وبدوره أي رأس المال يؤثر على الدخل من خلال الادخار. إذ يرتفع الادخار عندما تنحسر قاعدة الهرم السكاني وترتفع نسبة السكان في سن العمل ويتيح ذلك المزيد من النمو اقتصادي نتيجة ارتفاع حصة العاملين في الناتج. ويمكن توسيع هذا المخطط ليتضمن عوامل خارجية تتدخل ويكون لها تبعات على المتغيرات الداخلية المكونة للنظام. فمثلا السياسات السكانية ومن ضمنها برامج الصحة الإنجابية وتنظيم الأسرة قد تعجل من انخفاض معدلات الخصوبة وتغير البنية العمرية للسكان.

وهذا التغيير في البنية العمرية للسكان بدوره ينطوي على تغير في إتجاهات الادخار والاستهلاك وبالتالي له تأثير مباشر على متوسط دخل الفرد ومن خلال تأثيره على معدلات الإعالة وحجم قوة العمل. فعندما نقارن تأثير نمو السكان في سن العمل مع تأثير نمو السكان الكلي يظهر بوضوح الأثر الكبير للهيكل العمري للسكان على النمو الاقتصادي.

المرجع المنتدى العربي للسكان 19-11-2004 بيروت
د. فهد محمود الصبري